تقوم فلسفة التعليم في البرنامج على مبدأ واضح: لا نعتمد على التلقين، بل نركز على بناء المهارات من خلال ممارسة حقيقية وتقييم متنوع. فالمعرفة الفقهية لا تكتمل بالحفظ وحده، والفقيه الحقّ هو من يستطيع أن يفهم المسألة، ويرجع بها إلى أدلتها، ويعرضها بوضوح، ويدافع عن رأيه بأدب وحجة.
معرفةٌ تُبنى، ومهارةٌ تُمارس، وأثرٌ يُصنع.
المناشط التدريسية: كيف تتعلّم؟
تُعزَّز مخرجات التعلّم في البرنامج بستة مناشط تدريسية:
1. حلقات نقاشية لتحليل كتب الأصول الكبرى
يقرأ الطلاب نصوصًا من كتب أصول الفقه الكبرى وموسوعاته، ويناقشونها في حلقات يتعلّمون فيها كيف تُقرأ عبارات العلماء، وكيف تُفهم مصطلحاتهم.
2. ورش عمل في صياغة الفتاوى المعاصرة
صياغة الفتوى مهارة قائمة بذاتها: فهم السؤال، وتصوّر الواقعة، ومعرفة الحكم ودليله، ثم التعبير عنه بلغة دقيقة واضحة. وفي هذه الورش يتدرّب الطالب على هذه الخطوات عمليًا.
3. محاضرات تفاعلية مع علماء ميدانيين
يلتقي الطلاب علماء يمارسون الإفتاء، فيطّلعون على ما تتطلّبه الممارسة الفعلية من علم وحكمة ومسؤولية.
4. أبحاث تطبيقية في قضايا فقهية خلافية
يتعلّم الطالب أن الخلاف الفقهي المعتبر له أسبابه ومناهجه، وأن دراسته بإنصاف تكشف عن سعة الشريعة ودقة نظر الأئمة.
5. زيارات ميدانية إلى دور الإفتاء والمحاكم الشرعية
يرى الطالب بنفسه كيف تُعرض القضايا وكيف يُتعامل معها، فتتحول المعرفة النظرية بأحكام القضاء والأسرة إلى صورة حيّة.
6. محاكاة جلسات إفتاء مع تقييم أداء الطلاب
يجلس الطالب في موقع المفتي في جلسة محاكاة، فيستمع إلى السؤال ويجيب عنه، ثم يُقيَّم أداؤه، ليكتشف مواطن القوة والضعف قبل أن يواجه الواقع.
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: ١٢٥]
أساليب التقويم: كيف تُقيَّم؟
يُثبت تحقق نتاجات التعلّم من خلال ستة أساليب متنوعة، لا تقتصر على الاختبار المكتوب:
اختبارات تحريرية في استنباط الأحكام من النصوص الشرعية.
تقييم مشاريع بحثية في الفقه المقارن.
المشاركة في مناظرات فقهية حول قضايا إشكالية.
تقارير تحليلية عن الزيارات الميدانية لدار الإفتاء.
أوراق علمية في موضوعات معاصرة.
اختبارات شفهية في مهارات الإفتاء والرد على الاستفسارات الشرعية.
ويعني هذا التنوع أن الطالب يُقاس في قدرته على الكتابة والبحث، وعلى التحدث والإقناع، وعلى الملاحظة والتحليل، لا في قدرته على استرجاع المعلومات فحسب.
لماذا الاختبار الشفهي؟
للاختبار الشفهي في العلوم الشرعية مكانة خاصة؛ فالمفتي والمعلّم والداعية يُسألون في الغالب مشافهة، ويُنتظر منهم جواب حاضر منضبط. ولذلك يُختبر الطالب في مهارات الإفتاء والرد على الاستفسارات الشرعية شفهيًا، ليتعوّد على حسن الإصغاء إلى السؤال، وتحرير محلّ الإشكال فيه، ثم الإجابة بعبارة واضحة لا تحتمل اللبس.
ولماذا المناظرة؟
المناظرة الفقهية ليست جدالًا للغلبة، بل وسيلة للوصول إلى الصواب؛ يعرض فيها كل طرف دليله، ويستمع إلى دليل غيره، ويقوّم الحجج بميزان علمي. وبهذا يتعلّم الطالب أن الخلاف المعتبر يُدار بالعلم والأدب، وأن قوة الرأي في قوة دليله لا في علوّ صوت صاحبه.
أمثلة من داخل المقررات
تنعكس هذه الفلسفة في الأنشطة المقررة لكل مادة، ومن أمثلتها:
في أصول الفقه (المصادر): مشروع تدريبي على بناء فتوى منضبطة.
في المعاوضات والتوثيقات: تحليل عقود حقيقية من البنوك الإسلامية.
في المدارس الاعتقادية الإسلامية والفرق: مناظرات علمية في القضايا العقدية المختلف فيها.
في القواعد الفقهية الكلية: مشروعات تقنين مصغّرة وتحليل مواد قانونية مستمدة من الفقه.
في نظام الإرث والوصايا: حلّ مسائل تطبيقية في المواريث، ومشروع لمقارنة موضوع من الفقه الإسلامي بالقانون السوري في الإرث.
في القرآن الكريم 1 و2: اختبارات تلاوة وأداء شفهي، وتسميع دوري للمحفوظ.
في مهارات التواصل وآداب المناظرة: تطبيقات حوارية وورش في فن الخطابة والمناظرة.
ماذا يعني هذا للطالب؟
يعني أن يكون الطالب شريكًا فاعلًا في تعلّمه: يقرأ ويناقش، ويكتب ويعرض، ويحاور بأدب. ويعني أيضًا أن التخرج لا يكون بحصيلة من المعلومات فقط، بل بمهارات حقيقية يحتاجها كل من يتصدّى للعلم الشرعي: الاستنباط المنضبط، والبحث الرصين، والحوار الهادئ، والقدرة على الإجابة عن أسئلة الناس بعلم ومسؤولية.




