يتساءل كثير من الطلاب وأولياء أمورهم عند التفكير في دراسة الشريعة: ما الذي سيتعلّمه الطالب فعلًا؟ وما الشهادة التي يحملها في نهاية الطريق؟ وكيف تُبنى شخصية الدارس العلمية خلال سنوات الدراسة؟ يجيب هذا المقال عن هذه الأسئلة من خلال التعريف ببرنامج الإجازة في الشريعة الإسلامية – اختصاص الفقه الإسلامي وأصوله الذي تعتمده كلية الشريعة.
«مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين»
[متفق عليه]
ما هو برنامج الإجازة في الشريعة الإسلامية؟
هو برنامج أكاديمي يمنح درجة الإجازة (الدرجة الجامعية الأولى) في الشريعة الإسلامية – اختصاص الفقه الإسلامي وأصوله، بعد دراسة خطة أكاديمية متكاملة تؤهّل الخرّيج للعمل في مجالات التعليم ما قبل الجامعي، وتسعى في الوقت نفسه إلى إعداد متخصّصين متمكّنين من أصول الاستنباط الشرعي، قادرين على فهم النصوص الفقهية وتطبيقاتها في القضايا المعاصرة.
ويقوم البرنامج على فكرة جامعة هي الربط بين التراث الفقهي الإسلامي ومتطلبات العصر؛ فالطالب لا يدرس الفقه بوصفه مسائل محفوظة منقطعة عن الواقع، ولا يتعامل مع الواقع بمعزل عن المنهج العلمي الذي بناه الفقهاء عبر القرون، بل يتعلّم كيف يصل بين الأمرين بمنهجية منضبطة.
الرؤية: إحياء التراث الفقهي وتجديده
تتمثل رؤية البرنامج في الريادة في إحياء التراث الفقهي الإسلامي وتجديده، وبناء جيل من الفقهاء القادرين على تقديم حلول شرعية مبتكرة تلبي احتياجات المجتمع المسلم.
وفي هذه الرؤية معنيان متكاملان: الإحياء الذي يعني العودة إلى ذخائر الفقه وفهمها فهمًا عميقًا، والتجديد الذي يعني القدرة على توظيف هذا الفهم في معالجة ما يستجدّ من قضايا الناس. فالفقيه الذي يحتاجه المجتمع هو من يعرف الأصل ويحسن التنزيل.
الرسالة: علماء يجمعون الإتقان والفهم
تنصّ رسالة البرنامج على تأهيل علماء يجمعون بين الإتقان الأصولي والفهم الواقعي للقضايا المعاصرة، مع الحفاظ على الانضباط بمنهجية المذاهب الفقهية المعتبرة، والإسهام في تطوير الفقه الإسلامي عبر البحث العلمي الرصين.
الإتقان الأصولي، والفهم الواقعي، والانضباط بمنهجية المذاهب المعتبرة: ثلاث ركائز تختصر الشخصية العلمية التي يسعى البرنامج إلى بنائها.
ويعني الانضباط بمنهجية المذاهب المعتبرة أن الطالب يتعلّم احترام المنهج العلمي الذي استقرّ عليه أهل العلم، فلا يكون التجديد عنده خروجًا على الأصول، بل اجتهادًا منضبطًا بقواعدها.
أهداف البرنامج
يهدف البرنامج إلى:
إعداد كوادر علمية متخصصة في الفقه الإسلامي وأصوله، قادرة على الاجتهاد في النوازل والقضايا المعاصرة.
تعميق فهم المذاهب الفقهية ومناهج الاستدلال عند الأئمة.
تمكين الطلاب من تحليل القضايا الاجتماعية والاقتصادية وفق الضوابط الشرعية.
تنمية مهارات البحث الفقهي المقارن ونقد الآراء الفقهية بمنهجية علمية.
وتتكامل هذه الأهداف فيما بينها: فمعرفة مناهج الأئمة في الاستدلال هي الأساس الذي يقوم عليه البحث المقارن، والبحث المقارن هو الطريق إلى معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية معالجةً شرعية رصينة.
البنية الأكاديمية بالأرقام
صُمّمت الخطة الدرسية بنظام الساعات المعتمدة، ووُزّعت توزيعًا متوازنًا على سنوات الدراسة وفصولها:
مدة الدراسة: أربع سنوات، أي ثمانية فصول دراسية.
عدد المقررات: 48 مقررًا، بواقع ستة مقررات في كل فصل.
الساعات المعتمدة: ثلاث ساعات لكل مقرر، أي 18 ساعة في الفصل، و144 ساعة معتمدة في مجموع الخطة.
الوحدات الأوروبية (ECTS): خمس وحدات لكل مقرر، أي 30 وحدة في الفصل، و240 وحدة في مجموع الخطة.
وأغلب المقررات نظرية بثلاث ساعات، في حين يجمع بعضها بين ساعتين نظريتين وساعة عملية، كمقررات أصول الفقه المتقدمة، والقواعد الفقهية الكلية، والنظريات الفقهية، ونظام الإرث والوصايا، ومناهج البحث العلمي؛ وذلك لأن هذه المواد تحتاج إلى تدريب تطبيقي إلى جانب الشرح النظري.
مجالات أساسية ومجالات مساندة
تتوزع مقررات الخطة على مجالات أساسية تمثّل صلب الاختصاص، وهي: العبادات والمعاملات المالية، والأحوال الشخصية ومناهج البحث، والسياسة الشرعية (القضاء ونظام الحكم والعلاقات الدولية والعقوبات)، وأصول الفقه والفقه المقارن والقواعد الفقهية؛ ومجالات مساندة تمنح الطالب أدوات الفهم، وهي: اللغة العربية، والتفسير وعلوم القرآن، والحديث النبوي وعلومه، والعقيدة والفكر الإسلامي.
ويستأثر مجال أصول الفقه والفقه المقارن والقواعد الفقهية بالنصيب الأكبر من ساعات الخطة، وهذا منسجم مع طبيعة الاختصاص؛ إذ إن أصول الفقه هي الأداة التي يُفهم بها النص وتُستنبط منها الأحكام.
كلمة أخيرة
إن اختيار دراسة الشريعة في هذا الاختصاص اختيارٌ لطريق يجمع بين شرف العلم ومسؤوليته؛ فالبرنامج لا يكتفي بأن يزوّد الطالب بالمعلومات، بل يسعى إلى أن يمنحه منهجًا في الفهم، ومهارة في الاستنباط، وقدرة على خدمة مجتمعه بعلمٍ راسخ. وفي مقالات قادمة نتناول الرحلة الدراسية سنةً بسنة، وأساليب التعلّم والتقويم، وآفاق العمل بعد التخرج.




