من أعظم ما يعين الدارس على فهم الشريعة الإسلامية أن يدرك أنها لم تأتِ أحكاماً متفرقة لا رابط بينها، بل جاءت لتحقيق غاياتٍ كبرى ومصالح معتبرة، يسميها العلماء مقاصد الشريعة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٧]
ما المقصود بمقاصد الشريعة؟
مقاصد الشريعة هي الغايات والحِكَم التي راعاها الشارع في تشريع الأحكام، لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، بجلب المنافع لهم ودفع المفاسد عنهم.
وقد عُني علماء الأصول بهذا الباب، ومن أبرزهم الإمام الغزالي في كتابه «المستصفى»، والإمام الشاطبي الذي أفرد له مباحث واسعة في كتابه «الموافقات».
مراتب المقاصد
قسّم العلماء المصالح التي جاءت الشريعة لحفظها إلى ثلاث مراتب:
أولاً: الضروريات
وهي ما لا تقوم حياة الناس إلا به، وإذا فُقدت اختلّ نظام الحياة. قال الإمام الغزالي:
«ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم».
حفظ الدين
حفظ النفس
حفظ العقل
حفظ النسل
حفظ المال
ثانياً: الحاجيات
وهي ما يحتاج إليه الناس لرفع الحرج والمشقة عنهم، كالرخص الشرعية في السفر والمرض. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ثالثاً: التحسينيات
وهي ما يرجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، مما يكمّل حياة الناس ويجمّلها.
ثمرة دراسة المقاصد
تعين دراسة المقاصد على فهم النصوص فهماً صحيحاً، وعلى الترجيح عند تعارض المصالح، وعلى إدراك سعة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، مع الالتزام بالنصوص وضوابط الاستنباط التي قررها أهل العلم.




